سميرة مختار الليثي
501
جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول
ثمّ رأى العبّاسيون ، بعد إنتصارهم ، أن يتحللوا من محالفة العلويّين وشيعتهم فولوا على الكوفة الفضل بن محمّد بن الصّباح الكندي ، الّذي أقدم على الخلاص من حلفائه العلويّين ، فقتل أبا عبد اللّه أخا أبي السّرايا « 1 » . ويبدو أنّ أهالي الكوفة قد ضاقوا بهذه الإضطرابات التّي سادت مدينتهم طوال عهد المأمون ، ورأوا يعلنوا ولاءهم للمأمون ، حتّى تستقر الأحوال في الكوفة . فخرج وفد من أهالي الكوفة ، إلى بغداد ، وكان المأمون قد قدم إليها من مرو بخراسان ، وخلع الخضرة ، وعاد إلى السّواد ثانية « 2 » . ومثّل الوفد بين يدي المأمون ، فأعرض عنهم ، فتقدم شيخ منهم إلى المأمون يقول : « يا أمير المؤمنين : يدك أحقّ يد بتقبيل ، لعلوّها في المكارم وبعدها عن المآثم ، وأنت يوسفي العفو في قلّة التّثريب ، من أرادك بسوء جلعه اللّه حصيد سيفك ، وطريد خوفك ، وذليل دولتك » « 3 » . وأعلن المأمون عفوه من أهالي الكوفة « 4 » . وهكذا انتهت هذه الحركة الشّيعية الصّغيرة ، فكانت كالوميض الّذي يلمع ثمّ ينطفيء . وهي تختلف تماما عن الحركات الشّيعيّة السّابقة ، فقد جمعت الكثير من المتناقضات . وهي في الحقيقة حركة ثأريّة ، فقد أراد أبو عبد اللّه الانتقام لمصرع أخيه أبي السّرايا ، كما أراد عليّ بن محمّد بن جعفر ، أن يثأر من المأمون الّذي هزم أباه . وأنّ عوامل إخفاق هذه الحركة غنية عن البيان ، فقد قامت الحركة الشّيعيّة المعتمدة على سواعد القواعد العبّاسيّين السّاخطين وأتباعهم وأعترف الشّيعة
--> ( 1 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 7 / 145 ، ابن الأثير ، الكامل في التّأريخ : 6 / 122 . ( 2 ) انظر ، تأريخ اليعقوبي : 3 / 181 ، ابن خلدون ، العبر : 3 / 249 . ( 3 ) انظر ، ابن عبد ربّه ، العقد الفريد : 2 / 7 . ( 4 ) انظر ، المسعودي ، مروج الذّهب : 4 / 9 ، ابن الأثير ، الكامل في التّأريخ : 6 / 118 .